في مشهد عبثي لا يمكن لأعتى كُتاب الكوميديا السوداء تخيله، يبدو أن "العم سام" قد وقع أخيراً في الفخ الذي نصبه للعالم. فبعد عقود من إغراق الكرة الأرضية بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية لفرض الهيمنة الثقافية والاقتصادية، قرر العالم استخدام هذه الأدوات نفسها... ولكن هذه المرة، لصفع "العم سام" على وجهه!
القصة بدأت بلمسة "ترامبية" معتادة؛ رغبة جامحة في شراء جزيرة غرينلاند وكأنها قطعة عقار في مانهاتن. لكن يبدو أن أحفاد الفايكنج في الدنمارك وأوروبا لم يرق لهم العرض، وبدلاً من إرسال السفن الحربية، أرسلوا "أكواداً برمجية".
هنا تتجلى سخرية القدر بأبهى صورها: المستهلك الغربي يمسك بهاتف (قد يكون أمريكي التصميم)، ويفتح متجراً للتطبيقات (أمريكي الابتكار)، ليحمل تطبيقات هدفها الوحيد هو: "كيف نتجنب دفع دولار واحد لأمريكا؟".
تطبيق "ميد أو ميتر" (Made O’Meter)، الذي ابتكره الدنماركي "إيان روزنفيلدت" -الذي يبدو أنه قرر في عقده الخامس أن يكون "روبن هود" العصر الرقمي- ليس مجرد برنامج؛ بل هو "جاسوس ذكي" في جيبك. هذا التطبيق، الذي قفزت تحميلاته بأكثر من 30 ألف مرة مؤخراً، يستخدم الذكاء الاصطناعي الأمريكي الصنع ليقول للمستخدم: "انتبه! هذه السلعة أمريكية.. إليك بديلاً أوروبياً نظيفاً". إنها الخيانة العظمى؛ الخوارزميات التي طورتها كاليفورنيا باتت ترشد الزبائن بعيداً عن بضائع كاليفورنيا!
ولم يقف الأمر عند الكبار، فها هو الشاب العشريني "جوناس بايبر" يطلق تطبيقه "نن يو إس إيه" (NonUSA)، ليصبح الأمر أشبه بلعبة فيديو ممتعة: "امسح الباركود، اكتشف العدو، دمره بعدم الشراء". النتيجة؟ 25 ألف مستخدم في يوم واحد قرروا أن التخلص من "الحمل الأمريكي" الثقيل هو أفضل رياضة صباحية، وكأنهم يمتلكون زرّاً نووياً صغيراً في جيوبهم يغيرون به مجريات الاقتصاد العالمي.
حتى موقع "تيك كرانش" الأمريكي، وهو يرصد هذه الأرقام، بدا وكأنه ينعي سطوة الشركات الأمريكية بمداد من ذهول. فالتطبيقات تتصدر المتاجر، والحمى تنتشر.
وهذه ليست المرة الأولى التي يرتد فيها السلاح إلى نحر صانعه؛ فقبلها كان تطبيق "نوثانكس" (NoThanks) يعلم العالم درساً في "فن الرفض" للبضائع الداعمة للاحتلال، محققاً مئات الآلاف من التحميلات.
الدرس المستفاد من هذه القصة التراجيدية-الكوميدية هو أن التكنولوجيا حيادية بامتياز، وغبية أحياناً؛ فهي لا تميز بين يد مخترعها ويد من يستخدمها لخنقه. لقد صنع الأمريكيون "المارد" وأخرجوه من القمقم، لكنهم نسوا أن يبرمجوه على الوفاء لسيده، فها هو المارد اليوم يقود حملة المقاطعة بنفسه، تاركاً واشنطن تتساءل: "كيف تحولنا من سادة السوق.. إلى بضاعة كاسدة بفضل اختراعاتنا؟".
التعليقات
0 تعليقلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!