العنوان يا صديقي حقيقي تماماً …
فهواوي لم توجّه ضربة عادية، بل وجّهت ضربة قوية جداً، ومن المكان الذي لم يكن أحد يتوقعه.
يوم امس
العالم كل العالم دخل مرحلة إنذار حقيقية ، والصين ومعها هواوي بدأتا هجوماً مرتداً يمكن أن أصفه ببساطة بأنه تمرّد تقني كامل على الحصار الأمريكي.
لكن السؤال الأهم هنا: كيف فعلت هواوي ذلك؟
والجواب من كلمتين فقط: الإرادة والعلم.
اليوم، أمريكا وسامسونج و(تي إس إم سي) لن يناموا براحة.
لكن
قبل أن نصل إلى إعلان هواوي الأخير، دعني أوضح لك المشهد الصيني كاملاً.
منذ عام 2018 وحتى اليوم، وُضعت الصين تحت حصار تقني قاسٍ جداً من الولايات المتحدة. لم يكن الحصار بسيطاً، بل كان موجهاً إلى قلب الصناعة الحديثة: صناعة أشباه الموصلات والمعالجات.
الصين مُنعت من شراء أحدث آلات الطباعة الحجرية الخاصة بتصنيع المعالجات من هولندا. وأي شركة في العالم تستخدم تقنيات أمريكية أصبحت ممنوعة من بيع تقنيات متقدمة للصين من دون موافقة واشنطن، وإلا ستتعرض للعقوبات.
هذا على مستوى الصين كدولة.
أما هواوي، كشركة فقد كانت المعركة أعنف بكثير معها
أمريكا أرادت حرفياً إخراج هواوي من اللعبة و دفنها حية ،
لا خدمات جوجل، لا أندرويد كما كان، لا معالجات متقدمة، لا تقنيات اتصال بسهولة، ولا وصول طبيعي إلى سلاسل التوريد العالمية. صار كامل خاف فموت مؤكد
لكن الذي حدث كان عكس ما أرادته أمريكا تماماً.
الصين وضعت هواوي في قلب المعركة. شركة فيها عشرات الآلاف من المهندسين، وقيل إن عددهم يصل إلى نحو 97 ألف مهندس من نخبة مهندسي الصين ، أصبحت تقود ثورة الصين في تصميم المعالجات وتقنيات تصنيعها.
هواوي تطور وتبتكر، وأكثر من 2400 شركة صينية تعمل معها وتدعمها في هذا الطريق. أي تقنية تحتاجها هواوي داخل منظومة صناعة المعالجات، تحاول الصين توفيرها لها أو تطوير بديل محلي لها.
الدولة دعمتها، والشركات الصينية ساندتها، والشعب الصيني وقف معها واشترى هواتفها.
ومع شركة (إس إم آي سي)، وهي الشركة الصينية الأهم في تصنيع المعالجات داخل الصين، بدأت هواوي المهمة التي كان كثيرون يعتبرونها مستحيلة: بناء معالج صيني متقدم رغم الحصار.
لكن قبل أن نكمل، دعني أوضح لك بسرعة: ما هو المعالج أصلاً؟
المعالج ببساطة هو دماغ أي جهاز ذكي.
يتكون من عدد هائل من الترانزستورات، والترانزستور هو أصغر وحدة حسابية داخل المعالج.
كلما أصبح الترانزستور أصغر، أو زاد عدد الترانزستورات داخل نفس المساحة، أصبح المعالج أقوى وأكثر كفاءة.
ببساطة شديدة:
كلما صغر الحجم وزاد العدد، زادت القوة.
نعود الآن إلى هواوي.
في عام 2023، وبعد خمس سنوات تقريباً من العقوبات والعمل الصامت، أطلقت هواوي معالجها الشهير (Kirin 9000S)، وهو معالج بدقة 7 نانومتر.
أداؤه لم يكن خارقاً. في الحقيقة، كان قريباً من أداء معالج هواوي الرائد القديم (Kirin 980) الذي صدر في عام 2018 وكانت تصنعه شركة (تي إس إم سي) التايوانية.
لكن رغم ذلك، العالم كله خاف.
لماذا؟
لأن الصين، بحسب المعروف وقتها، لم تكن تمتلك أحدث آلات الطباعة الحجرية القادرة على تصنيع 7 نانومتر بسهولة. أقصى ما كان يُعتقد أنها قادرة عليه هو 14 نانومتر تقريباً.
فالسؤال الذي أرعب أمريكا كان:
كيف فعلتها الصين؟
واشنطن تفاجأت، ثم زادت العقوبات والحصار، لكن بعد فوات الأوان. لأن الصين كانت قد دخلت فعلاً مرحلة الابتكار تحت الضغط.
بعدها عاد الهدوء الصيني من جديد.
ثلاث سنوات تقريباً من العمل الصامت، والعالم كله، وأنا منهم، اعتقد أن الصين وهواوي ربما توقفتا عند هذا الحد.
لأن صناعة المعالجات ليست صناعة عادية.
هي من أصعب الصناعات في تاريخ البشرية، وربما الأصعب فعلاً. ليست صعبة فقط، بل هي أيضاً الأغلى، والأكثر تعقيداً، والأكثر ارتباطاً بسلاسل توريد عالمية ضخمة.
لكن اليوم، هواوي صدمت العالم مرة أخرى.
بحسب التسريبات والتقارير المتداولة، استطاعت هواوي تصميم جيل جديد من معالجات (Kirin) بدقة 7 نانومتر، لكنه يقدم أداءً أفضل من بعض معالجات 4 نانومتر من كوالكوم، ويقترب من معالجات 3 نانومتر الأحدث.
بمعنى آخر، المعالج الجديد من هواوي قد يتفوق على أقوى معالجات عام 2025، مثل (Snapdragon 8 Elite Gen 3) أو (Dimensity 9300)، ويكون أقل بنحو 15 إلى 20 بالمئة فقط من معالجات 2026 الأحدث، مثل (Snapdragon 8 Elite Gen 5) و(Dimensity 9500).
والصدمة الأكبر أن معالج هواوي ما زال بدقة 7 نانومتر، وليس 3 نانومتر مثل أحدث معالجات كوالكوم.
لكن السؤال الذي دوّى في آذان الأمريكيين والكوريين والتايوانيين لم يكن فقط: ما قوة المعالج؟
السؤال الحقيقي كان:
كيف فعلتها هواوي؟
وهنا تبدأ الفكرة الأخطر.
منذ نحو خمسين عاماً، يسير عالم صناعة المعالجات وفق ما يُعرف بقانون مور. وببساطة، هذا القانون يقول إن المعالجات تصبح أصغر وأكثر كثافة مع مرور الوقت، حيث تصغر الترانزستورات، ويزداد عددها داخل الشريحة، فيتحسن الأداء وتقل الحرارة ويزيد توفير الطاقة.
لكن المشكلة أن هذا الطريق أصبح صعباً جداً ومكلفاً جداً.
كلما اقترب العالم من 3 نانومتر و2 نانومتر، أصبحت صناعة المعالجات أكثر تعقيداً، وأكثر اعتماداً على آلات باهظة الثمن جداً من شركات مثل (إي إس إم إل) الهولندية.
هواوي قررت أن تقلب الطاولة.
بدلاً من أن تعتمد فقط على تصغير الترانزستورات ووضعها بجانب بعضها على نفس المستوى، بدأت تتجه إلى فكرة مختلفة: ترتيب الترانزستورات بشكل ثلاثي الأبعاد، أي وضعها فوق بعضها، وليس فقط بجانب بعضها.
الفكرة هنا تشبه البناء العمودي.
إذا لم تعد تستطيع التوسع أفقياً بسهولة، فابدأ بالبناء إلى الأعلى.
بهذه الطريقة يمكن زيادة عدد الترانزستورات داخل مساحة أقل، والحصول على أداء أعلى من دون الحاجة إلى أحدث آلات الطباعة الحجرية الغربية.
والأهم أن قرب الترانزستورات من بعضها يقلل المسافة التي تقطعها الإشارات داخل المعالج، وهذا قد يعني استهلاك طاقة أقل وكفاءة أعلى وحرارة أفضل.
وبحسب الأرقام المتداولة، فإن معالج هواوي الجديد قفز في الأداء بنحو 41 بالمئة مقارنة بالجيل السابق، وزاد عدد الترانزستورات بنسبة تصل إلى 53 بالمئة دفعة واحدة.
والأجمل أن أعلى تردد لأقوى نواة فيه يصل إلى نحو 3.1 جيجاهرتز فقط.
هنا تكمن المفارقة.
في السنوات الأخيرة، كانت شركات مثل كوالكوم و(تي إس إم سي) ترفع الأداء غالباً عبر تصغير دقة التصنيع ورفع الترددات. بعض المعالجات الحديثة وصلت إلى ترددات تقارب 4.2 جيجاهرتز، لكن مع ذلك كانت زيادات الأداء المعتادة بين جيل وآخر غالباً في حدود 10 إلى 20 بالمئة.
أما هواوي، فبحسب هذه الأرقام، استطاعت تحقيق قفزة كبيرة بتردد أقل.
وهذا يعني نظرياً أن المعالج قد يكون أكثر كفاءة، وأقل استهلاكاً للطاقة، وأفضل في الحرارة. لكن في المقابل، هذا التصميم الجديد يحتاج إلى نظام تبريد خاص، لأن شكل البنية الداخلية وطريقة توزيع الحرارة تختلف عن المعالجات التقليدية.
لكن توجد نقطة مهمة أيضاً.
معالج هواوي الجديد، رغم قوته، لا يبدو أنه سيكون الأقوى في عمليات الذكاء الاصطناعي على الجهاز نفسه، مثل ما تفعله معالجات كوالكوم أو أبل حالياً.
ولهذا السبب، تعمل هواوي على حل مختلف: ما يُعرف بمنظومة المعالجات العملاقة أو (Super Node)، وهي بنية ضخمة لمعالجة عمليات الذكاء الاصطناعي عبر السحابة.
بمعنى آخر، الهاتف أو الجهاز يرسل بعض مهام الذكاء الاصطناعي إلى السحابة، وهناك تتم المعالجة على أنظمة قوية، ثم تعود النتيجة إلى المستخدم.
لكن هذا الحل يحتاج إلى إنترنت قوي وسريع ومستقر.
بينما معالجات كوالكوم وأبل تحاول تنفيذ أكبر قدر ممكن من عمليات الذكاء الاصطناعي مباشرة على الجهاز، من دون الاعتماد الكامل على الإنترنت.
وبحسب ما يُتداول، فإن أول جهاز قد يستخدم الجيل الجديد من معالجات (Kirin) سيكون هاتف (Mate 90)، المتوقع إطلاقه في بداية شهر سبتمبر القادم إن شاء الله.
وهنا نستطيع القول إن هواوي لم تعد فقط تحاول النجاة من العقوبات.
هواوي بدأت تهاجم.
الصين لم تكتفِ بالصمود، بل بدأت تعيد رسم قواعد اللعبة.
وأمريكا التي أرادت خنق هواوي، قد تكون هي نفسها من دفعتها إلى أن تصبح أخطر.
واليوم، الضربة لم تكن في هاتف فقط، ولا في معالج فقط.
الضربة كانت في الرسالة نفسها:
إذا مُنعت الصين من الطريق التقليدي، ستخترع طريقاً آخر.
وهواوي، على ما يبدو، تحضر ضربة ثانية ضد آيفون 18.
لكن هذه القصة نتركها لفيديو آخر.
في أمان الله.
التعليقات
0 تعليقلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!